المبعث النبوي دراسةوتحليل - مملكة الشيخ برهتية العظمى للفتوحات الروحانية 00212624699230
  تعليمات   التقويم   اجعل جميع الأقسام مقروءة

تابعنا على اليوتوب



الملاحظات

مملكة الصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا


إضافة رد
 
أدوات الموضوع اسلوب عرض الموضوع
Awt6  المبعث النبوي دراسةوتحليل
كُتبَ بتاريخ: [ 03-02-2010 - 08:32 PM ]
رقم المشاركة : ( 1 )
 
عضو نشيط
asun غير متواجد حالياً
 
رقم العضوية : 1467
تاريخ التسجيل : Mar 2010
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 76
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :


المبعث, النبوي, دراسةوتحليل

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على المبعوث للعالمين ابي القاسم محمد وعلى ال بيته الطاهرين
بدء الوحي
إنّ التاريخ الإسلامي يبدأ في الحقيقة من يوم بعثة الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) بالرسالة، والتي وقعت على أثره حوادث خاصة.
ويوم بُعث النبيُّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله) لهداية الناس، ودوّى في سمعه الشريف نداء «إنك لرسول اللّه» الصادر عن ملاك الوحي أُلقيت على كاهله مسؤولية كبرى وثقيلة جدّاً، على نمط الوظيفة الهامة التي أُلقيت على كاهل من سبقه من الأنبياء والرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين.

منذ ذلك اليوم اتضح هدف أمين قريش، أكثر فأكثر، وتجلت خطته أكثر فأكثر.
ونحن نرى من اللازم قبل شرح الحوادث الأُولى الواقعة عند البعثة أن نعطي بعض الإيضاحات حول مسألتين:

1 - وجوبُ بعث الأنبياء.

2 - دورُ الأنبياء في إصلاح المجتمع.

لقد أودع اللّه تعالى في كيان كُلّ كائن من الكائنات أدوات تكامله، وجهّزه - لسلوك هذا الطريق - بالوسائل المتنوعة، والأجهزة المختلفة اللازمة.
ولنأخذ مثلاً : نبتة صغيرة، فان ثمة عوامل كثيرة تتفاعل في ما بينها وتعمل لتحقيق التكامل فيها.
إن جذور كل نبتة تعمل اكبر قدر ممكن لامتصاص العناصر الغذائية، وتلبية احتياجات النبتة، وتوصل العروق والقنوات المختلفة، عصارة ما تأخذه من الأرض إلى جميع الأغصان والأوراق.
إننا لو درسنا جهاز (وردة) لرأيناه أكثر مدعاة للإعجاب وأشد إثارة للتعجب من تركيب بقية النباتات.
فللكأس وظيفة توفير الغطاء اللازم للأوراق الناعمة اللطيفة في الوردة.
وهكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأجهزة في «الوردة» ممّا أُنيط إليها مسؤولية الحفاظ على كائن حيّ، وضمان رشده ونموّه، فإنها جميعاً تقوم بوظائفها المخلوقة لها بأحسن شكل، وأفضل صورة.
ولو أننا خطونا خطوات أكثر وتقدّمنا بعض الشيء لدراسة الأجهزة العجيبة في عالم الأحياء، لرأينا أنها جميعاً وبدون استثناء مُزوّدة بما يضمن بلوغها إلى مرحلة الكمال المطلوب لها.
وإذا أردنا أن نصبّ هذا الموضوع في قالب علميّ لوجب أن نقول: إنّ الهداية التكوينية، التي هي النعمة المتجلّية في عالم الطبيعة، تشمل كل موجودات هذا العالم من نبات، وحيوان وإنسان.
ويبيّن القرآن الكريم هذه الهداية التكوينية الشاملة بقوله:
(ربّنا الّذي أعطى كُلّ شيء خلقه ثُمّ هدى)(سورة طه: الآية 50).
فانّه يصرّح بأن كل شيء في هذا الكون من الذرة إلى المجرّة ينعم بهذا الفيض العامّ، وانّ اللّه تعالى بعد أن قدّر كل موجود وكائن، بيّن له طريق تكامله، ورُقيّه، وهيأ لكل كائن مِن تلك الكائنات ما يحتاج إليه في تربيته ونموّه، وهذه هي (الهداية التكوينية العامة) السائدة على كل أرجاء الخليقة دونما استثناء.
ولكن هل تكفي هذه الهداية الفطرية، التكوينية لكائن مثل الإنسان، اشرف الموجودات، وأفضل ما في هذه الخليقة؟!.
بكل تأكيد: لا.
لأن للإنسان حياة أُخرى غير الحياة المادية، تشكل أساس حياته الواقعية، ولو كان للإنسان حيادة مادية جافّة فقط مثلما لعالم النباتات، والحيوانات، لكفت العواملُ والعناصرُ المادية في تكامله، والحال أن للإنسان نوعين من الحياة، يكمن في تكاملهما معاً رمز سعادة الإنسان ورقيّه.
إن الإنسان الأول، ونعني به إنسان الكهوف والحياة البسيطة والفطرة السليمة التي لم يطرأ على جبلته أي اعوجاج لم يكن بحاجة إلى ما يحتاج إليه الإنسان الاجتماعيّ من التربية والهداية.
ولكن عندما خطى الإنسانُ خطوات أبعد من ذلك، وبدأ الحياة الاجتماعية، وسادت على حياته فكرة التعاون والعمل الجماعي برزت في روحه ونفسيته سلسلة من الانحرافات نتيجة للاحتكاك الاجتماعي، وغيّرت الخصال القبيحة والأفكار الخاطئة صفاتِه الفطرية، وبالتالي اخرج المجتمع من حالة التوازن!.
إن هذه الانحرافات حملت خالق الكون على أن يرسل إلى البشرية رجالاً أفذاذاً صالحين يتولّون تربية البشر، وليقوموا بتنظيم برنامج المجتمع، والتخفيف من المفاسد الناشئة - بصورة مباشرة - عن النزعة الاجتماعية لدى الإنسان، وليضيئوا - بمشاعل الوحي المشّعة المنيرة - طريق السعادة والخير للإنسانية في جميع المجالات والأبعاد.
إذ لا نقاش في أنّ الحياة الاجتماعية والعيش بصورة جماعية مع كونه مفيداً، ينطوي على مفاسد لا تُنكر، ويجرّ إلى انحرافات كثيرة لا تقبل الترديد.
ولهذا بعث اللّه سبحانه رجالاً مصلحين، وهداة مرشدين يعملون - قدر الإمكان - على الحدّ من الانحرافات والمفاسد، ويضعون عجلة المجتمع - بتنظيم القوانين الواضحة والأنظمة الحكيمة - على الطريق الصحيح، ويضمنون دورانها وحركتها في المسار المستقيم.
وقد يُستفاد هذا الأمر - بوضوح - من قوله تعالى: (كان النّاس امّة واحِدةً فبعث اللّه النّبيِّين مُبشِّرين ومُنذرين وأنزل معهمُ الكِتاب بِالحقِّ لِيحكُم بين النّاس في ما اختلفُوا فيه)(سورة البقرة: الآية 213).

دَور الأنبياء في إصلاح المجتمع:
إن الذي يتصوره الناس عادة هو أنّ الأنبياء مجرد معلّمين إلهيين بُعِثوا لتعليم البشرية. فكما يتعلم الطفل خلال حركته التعليمية ابتداء من الابتدائية ومروراً بالمتوسطة وانتهاء بالجامعة دروساً معينة ومواضيع خاصة على أيدي الأساتذة والمعلمين، كذلك يتعلم الناس في مدرسة الأنبياء أمورا خاصة، ويكتسبون معارف معينة، وتتكامل أخلاقهم وصفاتهم وخصالهم الاجتماعية جنباً إلى جنب مع اكتسابهم المعرفة والعلم على أيدي الأنبياء والمرسلين.
ولكننا نتصور إن مهمة الأنبياء ووظيفتهم الأساسية هي (تربية) المجتمعات البشرية لا تعليمها، وان أساس شريعتهم لا ينطوي على كلام جديد، وانه ما لم تنحرف الفطرة البشرية عن مسارها الصحيح، وما لم تلفها غشاوات الجهل والغفلة لعرفت وأدركت خلاصة الدين الإلهي، وعصارتها، في غير إبهام، ولا خفاء.
على أن هذه الحقيقة قد أشار إليها قادة الإسلام العظماء.
فقد قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) في نهج البلاغة عن هدف الأنبياء: «أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم... لِيستأدُوهم ميثاق فِطرتِه، ويُذكرُوهم منسيّ نِعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائن العُقول»( نهج البلاغة : قسم الخطب، الخطبة رقم 1).

مثالٌ واضح في المقام:
إذا قلنا: إن وظيفة الأنبياء في تربية الناس وإصلاح نفوسهم هي وظيفة البستاني في تربية شجيرة من الشجرات، أو قلنا: أن مثل الأنبياء في قيادة التوجّهات الفطرية البشرية وهدايتها، مثل المهندس الذي يستخرج المعادن الثمينة من بطون الأودية والجبال، لم نكن في هذا القول مبالغين.
وتوضيح ذلك إن النبتة، أو الشجيرة الصغيرة تحمل من بداية انعقاد حبتها الأُولى كل قابليات النمو، والرشد، فإذا توفر لها الجوُ المناسب للنمو، دبّت الحياة والحركة في كل أجزائها، واستطاعت بفعل جذورها القوية وأجهزتها المتنوعة وفي الهواء الطلق، والضوء اللازم، من أن تقطع أشواطاً كبيرة من التكامل، والنمو.

فمسؤولية البستاني في هذه الحالة تتركز في أمرين:

1 - توفير الظروف اللازمة لتقوية جذور تلك النبتة لكي تظهر القوى المودعة في تلك النبتة أو الشجيرة، وتخرج من حيّز القوة إلى مرحلة الفعلية، والتحقق.

2 - الحيلولة دون تعرض تلك الشجرة أو النبتة للانحرافات والآفات، وذلك عندما تتجه القوى الباطنية صوب الوجهة المخالفة لسعادتها، وتسلك طريقاً ينافي تكاملها.

ومن هنا فان مسؤولية البستاني ووظيفته ليست هي (الإنماء) بل هي (المراقبة) وتوفير الظروف اللازمة ليتهيّأ لتلك الشجرة والنبتة أن تبرز كمالها الباطني.
لقد خلق اللّه سبحانه البشر وأودع في كيانه طاقات متنوعة، وغرائز كثيرة، وعجن فطرته وجبلّته بالتوحيد، وحبّ معرفة اللّه، وحبّ الحق والخير، والعدل والإنصاف، كما وأودع فيه غريزة السعي والعمل.
وعندما تبدأ خمائر هذه الأمور وبذورها الصالحة المودوعة بالعمل والتفاعل في كيان الإنسان تتعرض في الجو الاجتماعي لِبعض الانحرافات بصورة قهرية، فغريزة العمل والسعي تتخذ شيئاً فشيئاً صفة الحرص والطمع، وغريزة حب السعادة والبقاء تتخذ صورة الأنانية، وحب الجاه والمنصب، ويتجلى نور التوحيد والإيمان في لباس الوثنية وعبادة الأصنام.
في هذه الحالة يعمل سفراء اللّه إلى البشرية: (الأنبياء والرسل) على توفير ظروف الرشد والنمو الصحيح لتلك الغرائز وتلك القوى والطاقات في ضوء الوحي، والبرامج الصحيحة المستلهمة من ذلك المنبع الإلهي الهادي، ويقومون بالتالي بتعديل انحرافات الغرائز، والوقوف دون تجاوزها حدودها المعقولة المطلوبة.
ولقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما مرّ من كلامه: إن اللّه أخذ - في مبدأ الخلق - ميثاقاً يدعى «ميثاق الفطرة».
فما هو ترى المقصود من ميثاق الفطرة هذا ؟
إن المقصود من هذا الميثاق هو : أن اللّه تعالى بخلقه وإيداعه الغرائز المفيدة في الكيان الإنساني، وبمزج الفطرة البشرية بعشرات الأخلاق الطيبة والسجايا الصالحة يكون قد أخذ من الإنسان ميثاقاً فطرياً بأن يتبع خصال الخير، ويأخذ بالغرائز الطّيبة الصالحة.
فإذا كان منح جهاز البصر (العين) للإنسان هو نوع من اخذ الميثاق من الإنسان بان يتجنب المزالق، ولا يقع في البئر، فكذلك إيداع حسّ التدين، وغريزة الانجذاب إلى اللّه، وحبّ العدل، في كيانه هو الآخر نوع من اخذ الميثاق منه بأن يظل مؤمناً باللّه، موحّداً إياه، عادلاً، منصفاً، محباً للخير والحق.
وإن وظيفة الأنبياء هي أن يحملوا الناس على العمل بمقتضي ميثاق الفطرة، وبالتالي فانّ مهمّتهم الأساسية الحقيقية هي تمزيق أغشية الجهل وتبديد سحب الغفلة التي قد ترين على جوهرة الفطرة المطعمة بنور الإيمان، فتمنعها من الإشراق على وجود الإنسان، وتحرمُ الإنسان من هدايتها.
ومن هنا قالوا: إن أساس الشرائع الإلهية يتألف من الأمور الفطرية، التي فطر الإنسان عليها.
وكأنّ صرح الكيان الإنساني (جبلٌ) اختفت بين ثنايا صخوره وفي بطونه أحجار كريمة كثيرة ومعادن ذهبية ثمينة، فالوجود الإنساني هو الآخر قد أودعت فيه فضائل وعلوم، ومعارف وخصال، وأخلاق متنوعة.
فعندما يغورُ الأنبياء والمهندسون الروحيّون في أعماق نفوسنا وذواتنا وهم يعلمون جيداً أن نفوسنا معجونة بطائفة من الصفات والسجايا النبيلة والمشاعر والأحاسيس الطيبة، ويعملون على إعادة نفوسنا - بتعاليم الدين وبرامجه - إلى جادة الفطرة المستقيمة السليمة فإنهم في الحقيقة يذكّروننا بأحكام فطرتنا، ويُسمّعوننا نداء ضمائرنا، ويلفتونها إلى الصفات، والى الشخصية المودوعة فيها.
تلك هي رسالة الأنبياء، وذلك هو عملهم الأساسي، وهذا هو دورهم في إصلاح النوع الإنساني، أفراداً وجماعات.

أمين قريش في غار حراء:
يقع جبل «حِراء» في شمال «مكة» ويستغرق الصعود إلى غار حراء مدة نصف ساعة من الزمان.
ويتألف ظاهر هذا الجبل من قطع صخرية سوداء، لا يُرى فيها أيُّ أثر للحياة أبداً.
ويوجد في النقطة الشمالية من هذا الجبل غار يمكن للمرء أن يصل إليه ولكن عبر تلك الصخور، ويرتفع سقف هذا الغار قامة رجل، وبينما تضيء الشمس قسماً منه، تغرق نواح أُخرى منه في ظلمةٍ دائمةٍ.
ولكن هذا الغار يحمل في رحابه ذكريات كثيرة عن صاحب له طالما تردّد عليه، وقضى ساعات بل وأياماً وأشهراً في رحابه... ذكريات يتشوق الناس - وحتى هذا الساعة - إلى سماعها من ذلك الغار، ولذلك تجدهم يسارعون إلى لقائه كلّما زاروا تلك الديار، متحملين في هذا السبيل كل عناء، للوصول إلى رحابه، لكي يستفسروه عما جرى فيه عند وقوع حادثة : «الوحي» العظيمة وليسألون عما تحتفظ به ذاكرته من تاريخ رسول الإنسانية الأكبر ممّا جرت حوادثه في ذلك المكان التاريخي، العجيب.
ويتحدث ذلك الغار هو الآخر إليهم بلسان الحال ويقول: ها هنا المكان الذي كان يتعبد فيه عزيز قريش وفتاها الصادق الأمين.
وها هنا قضى ليالي وأياماً عديدة وطويلة قبل أن يبلغ مرتبة الرسالة، في عبادة اللّه، والتأمل في الكون، وفي آثار قدرة اللّه وعظمته.
أجل، لقد اختار محمّد صلّى اللّه عليه وآله ذلك المكان البعيد عن ضجيج الحياة، للعبادة والتحنث، فكان يمضي جميع الأيام من شهر رمضان فيه، وربما لجأ إليه في غير هذا الشهر أحياناً أُخرى، إلى درجة أنّ زوجته الوفيّة كانت إذا لم يرجع إلى منزلها، تعرفُ أنه قد ذهب إلى «غار حراء» وأنه هناك مشتغل بالعبادة والتحنث والاعتكاف. وكانت كلّما أرسلت إليه أحداً وجده في ذلك المكان مستغرقاً في التأمل والتفكير، أو مشتغلاً بالعبادة والتحنث.
لقد كان (صلّى اللّه عليه وآله) قبل أن يبلغ مقام النبوة، ويُبعث بالرسالة يفكر - أكثر شيء - في أمرين:

1 - كان يفكر في ملكوت السماوات والأرض، ويرى في ملامح كل واحد من الكائنات التي يشاهدها نور الخالق العظيم، وقدرته، وعظمته وعلمه، وقد كانت تفتح عليه من هذا السبيل نوافذ من الغيب تحمل إلى قلبه وعقله النور الإلهي المقدس.

2 - كان يفكر في المسؤولية الثقيلة التي ستوضع على كاهله.
إن إصلاح المجتمع في ذلك اليوم على ما كان عليه من فساد عريق وانحطاط عريض، لم يكن في نظره وتقديره بالأمر المحال الممتنع. ولكن تطبيق مثل هذا البرنامج الإصلاحي لم يكن في نفس الوقت أمراً خالياً من العناء والمشاكل، من هنا كان يفكر طويلاً في الفساد في حياة المجتمع المكّي وما يراه من ترف قريش، وكيفيّة رفع كل ذلك وإصلاحه.
لقد كان (صلّى اللّه عليه وآله) حزيناً لما يرى من قومه من فساد العقيدة المتمثل في الخضوع للأوثان الميتة، والعبادة للأصنام الخاوية الباطلة، ولطالما شوهدت آثار ذلك الحزن على محيّاه، وملامح وجهه الشريف، ولكن لما لم يكن مأذوناً بالإفصاح بالحقائق، لذلك كان يتجنب ردع الناس عن تلك المفاسد، ومنعهم عن تلك الانحرافات.

بدء الوحي:
لقد أمر اللّه ملكاً من ملائكته بأن ينزل على أمين قريش وهو في غار حراء ويتلو على مسمعه بضع آيات كبداية لكتاب الهداية والسعادة، معلناً بذلك تتويجه بالنبوة، ونصبه لمقام الرسالة.
كان ذلك الملَك «جبرائيل»، وكان ذلك اليوم هو يوم المبعث النبوي الشريف الذي سنتحدث عن تاريخه في المستقبل.
ولا ريب أن ملاقاة الملك ومواجهته أمرٌ كان يحتاج إلى تهيّؤ خاصّ، وما لم يكن محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) يمتلك روحاً عظيمة، ونفسية قوية لم يكن قادراً قط على تحمّل ثقل النبوة، وملاقاة ذلك الملك العظيم.
أجل لقد كان «أمين قريش» يمتلك تلك الروح الكبرى، وتلك النفس العظيمة وقد اكتسبها عن طريق العبادات الطويلة، والتأمّل العميق الدائم، إلى جانب العناية الإلهية.
ولقد روى أصحاب السير والتاريخ انه رأى رؤىً عديدة قبل البعثة كانت تكشف عن واقع بيّن واضحٍ وضوح النهار(صحيح البخاري: ج 1 كتاب العلم ص 22، بحار الأنوار: ج 18 ص 194).
ولقد كانت ألذّ الساعات وأحبها عنده بعد كل فترة، تلك الساعات التي يخلو فيها بنفسه، ويتعبّد فيها بعيداً عن الناس.
ولقد قضى على هذا الحال مدة طويلة حتى أتاه - في يوم معين - ملك عظيم بلوح نصبَهُ أمامه وقال له: «إقرأ»، وحيث أنه (صلّى اللّه عليه وآله) كان أُمياً لم يدرس أجاب الملَك بقوله: «ما أنا بقارئ».
فاحتضنه ذلك الملك، وعصره عصرة شديدة، ثم طلب منه أن يقرأ فأجابه بالجواب الأول.
فعصره الملك ثانية عصرة شديدة وتكرّر هذا العمل مرات ثلاث أحس بعدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في نفسه أنه قادر على قراءة ما في ذلك اللوح، فقرأ ساعتها تلك الآيات التي تشكل - في الحقيقة - ديباجة كتاب السعادة البشرية، وأساس رقيها.
لقد قرأ (صلّى اللّه عليه وآله) قوله تعالى: (إقرأ باسمِ ربِّك الّذي خلق. خلق الإنسان مِن علقٍ. إقرأ وربُّك الأكرمُ. الّذي علَّم بِالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم)(سورة العلق: الآيات 1 - 5).
وبعد أن انتهى جبرائيل من أداء مُهمته التي كُلِّف بها من جانب اللّه تعالى، وبلّغ إلى النبي تلكم الآيات الخمس، انحدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من جبل حراء، وتوجه تحو منزل خديجة(السيرة النبوية : ج 1 ص 236 و237).
ولقد أوضحت الآيات المذكورة برنامج النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) إجمالاً، وبيّنت وبشكل واضح إن أساس الدين يقوم على القراءة والكتابة، والعلم والمعرفة، واستخدام القلم.

ظاهرة القضايا الغيبيّة في منظار الماديّين:

لقد تسبّب التقدمُ العظيم والمتزايد الذي تحقق في ميدان العلوم الطبيعية في سلب الكثير من العلماء القدرة على فهم وإدراك القضايا المعنوية والخارجة عن إطار العلوم الطبيعية وبالتالي أدى إلى تحديد وتضييق آفاق الفكر عندهم.
فإذا بهم أصبحوا يتصورون أن الوجود يتلخص في هذا الكون المادي، وانه ليس في الوجود من شيء سوى المادة وان كل ما لا يمكن تفسيره وتبريره بالقوانين والقواعد المادية فهو أمر باطل، ومن نسج الخيال !!
إن هذا الفريق - لتسرعه في إصدار الحكم في الأمور المتعلقة - بالغيب وقضايا ما وراء الطبيعة، وحصر أدوات المعرفة بالحس والتجربة - أنكروا عالم الوحي، بحجة أنّ الحسِّ والتجربة لا يقودانهم إلى ذلك العالم، ولا يخبرانهم عن مثل تلك الموجودات، فلكونها بالتالي لا تخضع لمبضع التشريح، ومجهر الاختبار أنكروها بالمرة، وكانت النتيجة أن أدوات المعرفة المعروفة (الحسّ والتجربة) حيث إنها لا تهدي إلى عالم ما وراء المادة فأذن لا وجود خارجي لذلك العالم ولحقائقه أبداً !
إنّ هذا النمط من التفكير نمط جدُّ ضيق ومحدود، مضافاً إلى انه يتسم بالغرور والغطرسة، فهو من باب «استنتاج عدم الوجود من عدم الوجدان» في خطوة متعجلة فجّة !!
فما دامت هذه الحقائق التي يعتقد بها الإلهيّون المؤمنون باللّه لا يمكن التوصل إليها عن طريق الأدوات الفعلية المتعارفة بينهم للإدراك والمعرفة فهي إذن لا أساس لها من الواقع !!
إن الذي لا شك فيه هو: إن الماديين لم يدركوا مقالة العلماء الإلهيين حتى في مسألة إثبات الصانع الخالق فكيف بالعوالم الأخرى لما فوق الطبيعة، ولو أنّ الفريقين تحاوروا في جوّ علمي مناسبٍ، بعيداً عن الأغراض والعصبيّات، لكان من المتوقع ان تزول الفواصل بين الماديين والإلهيين في أقرب وقت، وأين يرتفع هذا الاختلاف الذي قسّم العلماء إلى فريقين على طرفي نقيض.
لقد أقام المؤمنون الموحِّدون عشرات الأدلة والبراهين القاطعة على وجود اللّه تعالى، واثبتوا بأنّ هذه العلوم الطبيعية هي نفسها تقودنا إلى الخالق العالم القادر، وان هذا النظام العجيب السائد في ظواهر الكائنات الطبيعيّة وبواطنها لدليل قاطع، وبرهانٌ ساطع على وجود مبدع هذا النظام، وأن جميع أجزاء هذا الكون الماديّ، من ذراته إلى مجراته، يسير وفق قوانين دقيقة متقنة، ولا تستطيع الطبيعة الصماء العمياء أبدا أن تكون مبتكرة لهذا النظام البديع، ومبدعة لهذا الترتيب الدقيق.
وهذا هو بنفسه برهان «نظام الوجود» أو (برهان النظم) الذي ألّف العلماء الإلهيون الموحدون حوله عشرات الكتب والدراسات.
وحيث إن (برهان النظم) هذا ممّا يفهمه جميع الناس على مختلف مراتبهم ومداركهم، لذلك ركزت عليها الكتب الاعتقادية دون سواها، وسلك كلُ واحد من العلماء طريقاً معيناً وخاصاً لتقريره، وبيانه، كما ودرست الأدلة والبراهين الأُخرى التي لا تتسم بمثل هذه الشمولية، في الكتب، والمؤلفات الفلسفية والكلاميّة بصورة مفصلة ومبسوطة.
إنّ للعلماء الإلهيين بيانات وأدلة في مجال (الروح المجردة)، وعوالم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) نشير إلى بعضها هنا:

الروح المجردة:
إن الاعتقاد بالروح من القضايا الشائكة الطبيعة التي استقطبت اهتمام العلماء وشغلت بالهم بشدة.
فهناك فريقٌ - ممّن اعتاد أن يُخضِع كل شيء لمبضع التشريح - ينكر وجود (الروح)، ويكتفي بالاعتقاد بالنفس ذات الطابع المادي، والعاملة ضمن نطاق القوانين الطبيعية فقط.
ووجود «الروح» والنفس غير المادية (أي المجردة المستقلة عن المادة) من القضايا التي عُولجت ودُورست من قِبل المؤمنين باللّه، والمعتقدين بالعالم الروحاني، بصورة دقيقة، وعميقة.
فهم أقاموا شواهِد عديدةً على وجود هذا الكائن (غير الماديّ) وهي أدلة وبراهين لو تمّ التعرّف عليها والنقاش حولها في جوّ علمي هادئ مع الأخذ بنظر الاعتبار ما يقوم عليه منطق الإلهيين - في هذا المجال - من قواعد وأُسس، لأدّى ذلك إلى التصديق الكامل بها.
على أن ما يقوله الإلهيّون في مجالات أُخرى مشابهة مثل (الملائكة) و(الوحي) و(الإلهام) يقوم هو الآخر على الأساس الذي شيدوه ومهدوه وبرهنوا عليه قبل ذلك بالأدلة المحكمة، المتقنة.

ظاهرة الوحي عِند الماديّين:

يُعتبر الاعتقاد بالوحي أساساً لجميع الرسالات، والأديان السماوية، وتقوم هذه الظاهرة (ظاهرة الوحي) على أن الذي يوحى إليه يمتلك روحاً قوية تقدر على تلقي المعارف الإلهية من دون واسطة، أو بواسطة ملك من الملائكة.
ويلخصُ العلماء المختصُّون تعريفهم للوحي على النحو التالي : «الوحيُ تعليمُه تعالى من اصطفاهُ مِن عِباده كُل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعِلم ولكِن بطريقة خفيّةٍ غير مُعتادة للبشر».
ولكن الماديين - كما قلنا - لم يستطيعوا هضم هذه الحقيقة، وإدراك هذه الظاهرة على حالها، وصورتها الغيبية بسبب ما ذكرناه من منهجهم ونظرتهم إلى الأُمور والكائنات فذهبوا في تفسير ظاهرة الوحي - التي هي كما أسلفنا من قضايا الغيب ومن عوالم ما فوق الطبيعة - مذاهب مختلفة ترجع برمتها إلى الرؤية المادية للوجود.
واليك أبرز هذه التفاسير الماديّة لظاهرة الوحي الغيبية:

أبرز النظريات المادية لظاهرة الوحي:

1 - قالوا: الوحي هو القدرة الفكرية، والنفسية والعقلية التي تحصل للإنسان بسبب التمرينات والرياضات الروحية التي على أثرها تنفتح عليه أبوابُ من الغيب، فيخبر عن أمور طالما تتفق مع الواقع على نحو ما يحصل للمرتاضين الهنود(رياضة اليوجا).
فالأنبياء بسبب اعتزالهم للمجتمع - على غرار ما يفعل المرتاضون – وإقبالهم على الرياضة الروحية يحصل لهم المقدرة على الإخبار بالغائبات، والكائنات الخفية على غيرهم.
والجواب على هذه النظرية هو : أن دراسة حالات المرتاضين تكشف لنا عن أنهم طالما يخطأون في إخباراتهم أخطاء فاضحة، بينما لم يُعهد من نبيٍّ أنه أخطأ في إخباراته، وإنباءاته. هذا أولاً.

وثانياً: إن ما يفعله المرتاضون لا ينطوي على أية أهداف إصلاحية علياً للمجتمع البشري، بل غاية همّهم هو: عرض الأفعال العجيبة على الناس وربما تسلية المتفرجين، بينما يهدف الأنبياء إلى إصلاح المجتمعات البشرية وقيادتها إلى ذرى الكمال والتقدم.

__________________

كلمات البحث

مملكة الشيخ برهتية للفتوحات الروحانية -- 00212624699230 -- 00212624699231 -- barhatiya@osoud.net--| الوفق المئيني | الشيخ - برهتية - العظمى - للفلك - و - الروحانيات - الزواج - المحقق -زواج- محقق -ادعية -مستجابة- صلوات- على -الرسول -صلى -الله -عليه- وسلم- ابحاث- علوم-صور- مكة - علوم- مدارس -روحانية-اسرار -سور -القرآن- الاسرار - الفتوحات-المجربات -الروحانية- علوم -الطاقة- الباراسيكلوجيا- المبيعات-المبيعات -الروحانية-





رد مع اقتباس
كُتبَ بتاريخ : [ 03-08-2010 - 10:20 AM ]
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
رقم العضوية : 1
تاريخ التسجيل : May 2009
مكان الإقامة : المغرب
عدد المشاركات : 2,389
عدد النقاط : 100

الشيخ برهتية غير متواجد حالياً



بارك الله فيك و عليك على هذا المجهود الجيد , و على الفائدة العظيمة .

تقبلوا تحيات أخيكمالشيخ برهتية

توقيع :

للكشف و العلاج أو السؤال حول المنتوجات الروحانية،
يمكنكم الإتصال بالشيخ برهتية على الجوال أو الواتساب :

00212624699230
00212624699231
أو على الايميل :

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
المبعث, النبوي, دراسةوتحليل

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
اسلوب عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العلاج النبوي للغضب omayma ولكم في رسول الله أسوة حسنة 5 01-25-2013 11:28 PM
من الإعجاز النبوي omayma ولكم في رسول الله أسوة حسنة 4 04-15-2012 07:55 AM
حكمة السبق النبوي omayma ولكم في رسول الله أسوة حسنة 2 02-27-2012 06:44 AM
البلح في الطب النبوي هنا-الحكيم مملكة العلاج بالاعشاب و والطب البديل 1 09-09-2010 05:34 AM
الماء في الطب النبوي هنا-الحكيم مملكة العلاج بالاعشاب و والطب البديل 2 07-20-2010 06:01 AM

Bookmark and Share


الساعة الآن 09:13 AM.

 


أقسام المنتدى

۞ قصور مملكة الشيخ برهتية ۞ | مملكة الجداول واسرار الحروف | مملكة الصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم | مملكة المدرسة الروحانية | مملكة الفوائد والمجربات الصحيحة | المخطوطات والكتب الروحانية | الباراسيكلوجيا | مملكة الشيخ برهتية الخاصة ( اسرار وفوائد) 00212624699230 | مملكة العلاج بالاعشاب و والطب البديل | تعبير الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرؤى | مملكة الدعوات و الأقسام | مملكة الاوراد والاحزاب والادعية المستجابة | مملكة اسرار السور القرآنية والآيات والاسماء | مملكة الاحداث الغريبة و القصص الخيالية | ۞ الأقسام الادارية ۞ | البرامج الروحانية و الإسلامية | مملكة الخواتم و الأحجار الكريمة و ما لها من الأسرار 00212624699231 | الرقية الشرعية لدى الشيخ حمزة نور | أسرار روحانية صحيحة على مملكة الشيخ برهتية 00212624699230 | مملكة القران الكريم | مملكة المواضيع الاسلامية العامة | مملكة المواضيع العامة | الصوتيات والمرئيات الاسلامية | منتدى اسئلة وطلبات الاعضاء | مملكة الترحيب بالأعضاء الجدد | مجربات و أسرار الشيخ برهتية العظمى 00212624699231 | أسرار و فوائد مأجورة لدى شيوخ المنتدى 00212624699230 | مملكة الدفائن و الكنوز واللقى الاثرية , | منتدى الزواج المحقق بإذن الله حصريا بمملكتكم 00212624699230 | ولكم في رسول الله أسوة حسنة | مملكة الأمراض المستعصية | غرفة خاصة بالإتصال بشيوخ المنتدى | منتدى الدفتر الذهبي لمملكة الشيخ برهتية | منتدى الشعر و الخواطر | مملكة عالم حواء | مملكة الرقية الشرعية | منتدى الرمضانيات | منتدى الكشف المجاني | مدونة الشيخ برهتية | فيديوهات الجلب و المحبة |